ابن قاضي شهبة
419
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
فاعلم أنها قد قبلت ، وأنّي قد ظفرت بما كنت أرجو من اللّه . قال ذلك الشّخص : فلما كان في الموت وضعت في يده يدي ، فبسطها ولم يقبض على يدي ، فعلمت أنّها علامة القبول ، فأظهرت كتبه بعده . قلت : آخر من روى عنه : أبو العزّ بن كادش ، وقال ابن خيرون « 1 » : كان رجلا عظيم القدر ، متقدما عند السّلطان ، أحد الأئمة . له التّصانيف الحسان في كل فن من العلم . وبينه وبين القاضي أبي الطيّب في الوفاة أحد عشر يوما . قال أبو عمرو « 2 » بن الصّلاح رحمه اللّه ، هو متّهم بالاعتزال وكنت أتأوّل له ، وأعتذر عنه ، حتى وجدته يختار في بعض الأوقات أقوالهم . قال في تفسيره في [ سورة ] الأعراف « 3 » : ( لا يساء عبادة الأوثان ) وقال في قوله : جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا « 4 » على وجهين معناه : حكمنا بأنّهم أعداء ، والثاني : تركناهم على العداوة ، فلم نمنعهم منعا . قال ابن الصّلاح : فتفسيره عظيم الضّرر ، لكونه مشحونا بتأويلات أهل الباطل ، تدسيسا وتلبيسا . وكان لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة حتى يحذر ، بل يجتهد في كتمان موافقته لهم ، ولكن لا يوافقهم في خلق القرآن ، ويوافقهم في القدر . قال في قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 5 » يعني يحكم سابق . وكان لا يرى صحّة الرّاوية بالإجازة . وذكر أنّه على مذهب الشافعيّ . وكذا قال في المكاتبة « 6 » . إنّها لا تصحّ . ثم قال ابن الصّلاح : أنا : عزّ الدين عليّ بن الأثير ، أنا : خطيب الموصل ، أنا : ابن بدران الحلوانيّ ، أنا الماورديّ ، فذكر حديث : « هل أنت إلّا أصبع دميت » « 7 » ؟ قلت : وبكل حال هو مع بدعة فيه من كبار العلماء . فلو أنّنا أهدرنا كلّ عالم زلّ ، لما سلم معنا إلّا القليل ، فلا تحطّ يا أخي على العلماء مطلقا ، ولا تبالغ في تقريظهم مطلقا ، وأسأل اللّه أن يتوفّاك على التوحيد .
--> ( 1 ) ابن الصلاح : طبقات فقهاء الشافعية 2 / 637 والسبكي : طبقات الشافعية 2 / 268 ( وابن خيرون هو : محمد بن عبد الملك بن الحسن بن إبراهيم البغدادي ) . ( 2 ) نفسه ، والخطب البغدادي : تاريخ بغداد 12 / 102 . ( 3 ) سورة الأعراف ( 7 ) الآية ( 128 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ( 6 ) : الآية ( 112 ) . ( 5 ) سورة القمر ( 54 ) : الآية ( 49 ) . ( 6 ) في زواج النساء لغير الأكفاء بإذنهن ورضا أهلهن ( ابن الصلاح : طبقات 2 / 639 ) . ( 7 ) حديث صحيح أخرجه البخاري ( 1340 ) ، ومسلم ( 1796 ) وقال جندب بن عبد اللّه بن سفيان البجلي : « هل أنت إلّا إصبع دميتي وفي سبيل اللّه ما لقيتي » .